فخر الدين الرازي
191
تفسير الرازي
وعلى هذا سنبين فساد قول من رد على الفقهاء قولهم في باب الزكاة : يعطى شيئاً أعلى مما وجب ويأخذ الجبران أو يعطى شيئاً دونه ، ويعطى الجبران أيضاً ، حيث قال : الجبران مصدر لا يؤخذ ولا يعطى ، فيقال له هو كالقرآن بمعنى المقروء ، ويجوز أن يقال : لما أخذ جابر أو مجبور أو يقال : هو اسم لما يجبر به كالقربان . المسألة الثالثة : إذا كان هذا الكلام للرد على المشركين فهم ما كانوا ينكرون كونه مقروءاً فما الفائدة في قوله : * ( إنه لقرآن ) * ؟ نقول فيه وجهان أحدهما : أنه إخبار عن الكل وهو قوله : * ( قرآن كريم ) * فهم كانوا ينكرون كونه قرآناً كريماً وهم ما كانوا يقرون به وثانيهما : وهو أحسن من الأول ، أنهم قالوا : هو مخترع من عنده وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إنه مسموع سمعته وتلوته عليكم فما كان القرآن عندهم مقروءاً ، وما كانوا يقولون : إن النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن وفرق بين القراءة والإنشاء ، فلما قال : * ( إنه لقرآن ) * أثبت كونه مقروءاً على النبي صلى الله عليه وسلم ليقرأ ويتلى فقال تعالى : * ( إنه لقرآن ) * سماه قرآناً لكثرة ما قرىء ، ويقرأ إلى الأبد بعضه في الدنيا وبعضه في الآخرة . المسألة الرابعة : قوله : * ( كريم ) * فيه لطيفة ؟ وهي أن الكلام إذا قرىء كثيراً يهون في الأعين والآذان ، ولهذا ترى من قال : شيئاً في مجلس الملوك لا يذكره ثانياً ، ولو قيل فيه : يقال لقائله لم تكرر هذا ، ثم إنه تعالى لما قال : * ( إنه لقرآن ) * أي مقروء قرىء ويقرأ ، قال : * ( كريم ) * أي لا يهون بكثرة التلاوة ويبقى أبد الدهر كالكلام الغض والحديث الطري ، ومن هنا يقع أن وصف القرآن بالحديث مع أنه قديم يستمد من هذا مدداً فهو قديم يسمعه السامعون كأنه كلام الساعة ، وما قرع سمع الجماعة لأن الملائكة الذين علموه قبل النبي بألوف من السنين إذا سمعوه من أحدنا يتلذذون به التذاذ السامع بكلام جديد لم يذكر له من قبل ، والكريم اسم جامع لصفات المدح ، قيل : الكريم هو الذي كان طاهر الأصل ظاهر الفضل ، حتى إن من أصله غير زكي لا يقال له كريم مطلقاً ، بل يقال له : كريم في نفسه ، ومن يكون زكي الأصل غير زكي النفس لا يقال له : كريم إلا مع تقييد ، فيقال : هو كريم الأصل لكنه خسيس في نفسه ، ثم إن السخي المجرد هو الذي يكثر عطاؤه للناس ، أو يسهل عطاؤه ويسمى كريماً ، وإن لم يكن له فضل آخر لا على الحقيقة ولكن ذلك لسبب ، وهو أن الناس يحبون من يعطيهم ، ويفرحون بمن يعطى أكثر مما يفرحون بغيره ، فإذا رأوا زاهداً أو عالماً لا يسمونه كريماً ، ويؤيد هذا أنهم إذا رأوا واحداً لا يطلب منهم شيئاً يسمونه كريم النفس لمجرد تركه الاستعطاء لما أن الأخذ منهم صعب عليهم وهذا كله في العادة الرديئة ، وأما في الأصل فيقال : الكريم هو الذي استجمع فيه ما ينبغي من طهارة الأصل وظهور الفضل ، ويدل على هذا أن السخي في معاملته ينبغي أن لا يوجد منه ما يقال بسببه إنه لئيم ، فالقرآن أيضاً كريم بمعنى طاهر الأصل ظاهر الفضل لفظه فصيح ، ومعناه صحيح لكن القرآن أيضاً كريم على مفهوم العوام فإن كل من